عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
621
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
ومنهم مسند حضرموت بل مسند الدّنيا كلّها في عصره إذ زلّت عن مرقاته الأصول ، ولم يتّفق لأحد إلى مثل علوّه الوصول : أستاذنا الأبرّ عيدروس بن عمر ؛ فإنّه مجمع المفاخر ، وبحر العلم الزّاخر ، وزينة الزّمن الآخر : أزالت به الأيّام عتبي كأنّما * بنوها لها ذنب وهذا لها عذر « 1 » وهو الإمام بحقّه ، والكمال بصدقه ، وعلى الجملة : فإنّي لا أجد عبارة ترضيني في وصف ما شاهدته من محاسنه ، فضلا عمّا لم أشاهده ، ولم ينته إلى تصوّره إذ ذاك سنّي ؛ إذ الأمر كما قال أبو الطّيّب [ في « العكبريّ » 2 / 287 من الطّويل ] : وما حارت الأفهام في عظم شأنه * بأكثر ممّا حار في حسنه الطّرف جمال يحسر الأنظار ، وكمال يدهش الحضّار ، وجلال يملأ البصائر ، ومقام يملك الضّمائر ، ووقار يأخذ النّفوس ، فلا يبقى لديه رئيس ولا مرؤوس . . إلّا وهم خاضعو الأذقان ، ناكسو الرّؤوس . كأنّ شعاع عين الشّمس فيه * ففي أبصارنا عنه انكسار « 2 » وحديث يهزّ الشّعور ، ويجلب السّرور ، كأنّما هو اللّؤلؤ المنثور ، وتهتزّ له الجبال الرّكينة ، وكأنّما تنزل عنده السّكينة . أندى على الأكباد من قطر النّدى * وألذّ في الأجفان من سنة الكرى « 3 » وممّا أستخرج به العجب من القوم ، ولا أزال ممتلئا به في نفسي إلى اليوم . . أنّني وأترابي من الصّغار - مع الانطباع على الحركة - نبقى في مجلسه الشّريف الساعات العديدة ، وكأنّما على الرّؤوس الطّير . فبقايا وقاره عافت النّا * س وصارت ركانة في الجبال « 4 »
--> ( 1 ) البيت من الطويل . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في « العكبريّ » ( 2 / 110 ) . ( 3 ) البيت من الكامل ، وهو من قصيدة رائيّة مشهورة لابن عمّار يمدح بها المعتضد عبّاد ، والد المعتمد ، تجدها في « نفح الطيب » ( 1 / 95 ) . السّنة : النّعاس . الكرى : النّوم . ( 4 ) البيت من الخفيف ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في « العكبريّ » ( 3 / 199 ) . عافت : كرهت . -